السبت، 26 يناير 2013

~| قصتي مع القراءة |~



كثيراً ما كنت أقصّ قصتي على كل من يئس من حث أبناءه على القراءة، وكل من ضجر من سُمْكِ الغبار الذي يغطي مكتبة العائلة، لعله أن يجد في قصتي عزاءً أو مفتاحاً!
لن أسهب في المقدمات وسأبدأ بقص حكايتي مع القراءة، حكاية تحولي من عدو للقراءة إلى محبة بل داعية لها! الحكاية التي لا يزال من حولي مستغرباً إن كانت انتهت بهذه النهاية السعيدة أم لا!
منذ المرحلة المتوسطة إلى ما قبل ثلاث سنوات كان مُحالٌ أن أُرى ممسكة كتاباً! ولطالما حاولت أختي – التي تصغرني بعام – أن تقنعني بجمال القراءة، ولطالما عرضت علي قراءة عناوين كتب جذابة لكن لا حياة لمن تنادي!
كنت أشعر أن القراءة هواية الفئة المنغلقة من الناس! كنت أشعر أن الشخص القارئ مثار سخرية من حوله! كنت أشعر أن هواة القراءة هم أناس سلبيين يختفون خلف الكتب عن العمل الجاد في المجتمع! كنت أشعر أنهم مجرد متحدثون بلا عمل. وبالتالي كان موقفي سلبياً تجاه كل من يفكر بدعوتي لقراءة كتاب، حيث كنت أشكره على لطفه، وأحتفظ بالكتاب إلى أن ييئس صاحبه فأعيده له. كانت هذه هي مشاعر وتصرفات فتاة مراهقة، تحولت مع الزمن إلى ما يشبه القناعة بعدم جدوى القراءة. صحيح أن موقفي لم يكن منطقياً ولا عقلانياً، لكنه كان موقفي الذي لم يتمكن أحد من زعزعتي عنه فضلاً عن تغييره.
أول تحسن في نظرتي لأهمية القراءة كان في سنتي الجامعية الثانية، السنة لتي شهدت تغيراً هائلاً في حياتي، فقد عملت حينها بالساعة في مكتبة الجامعة، وهناك تعرفت على نخبة من الطالبات كان لهن أثر كبير على عدد من نواحي حياتي، أحدها كان موقفي من القراءة. أصبح من المقبول لدي بعدها أن أقرأ كتيباً، أو كتابا خفيفاً في المعلومات العامة. وحتى أثناء هذه الفترة التي كنت فخورة بتحسني فيها؛ لم أسلم من تندر الأهل والأقارب على نوعية قراءاتي، الأمر الذي جعل موقفي متذبذباً، إلى أن قررت أن تكون قراءاتي في الخفاء لأسلم من تعليقاتهم!
وفي صيف عام 1426هـ، قررت أنا وإحدى صديقاتي أن نتعاون  في قراءة كتاب العلم للشيخ ابن عثيمين، كنا نقرأ في اليوم الواحد حوالي العشر صفحات، وبعد أن أنهينا قراءتنا للكتاب أرسلت كل واحدة منا أسئلة مراجعة بسيطة للأخرى، لنسترجع من خلالها أبرز المعلومات لعلها أن ترسخ في أذهاننا فيتحسن مستوى طلبنا للعلم لاحقاً، و كانت النتيجة مذهلة، وكانت ذكريات قراءتنا جميلة للغاية، وأحسسنا بنشوة إنجاز لا مثيل لها..
وبعد أن بدأ العام الدراسي عرفتني إحدى صديقاتي على د. نوال العيد – وهي عضو هيئة تدريس في كلية التربية وداعية معروفة حفظها الله ووفقها – وطلبت منها أن توجهنا لكتاب مفيد نقرؤه، فاقترحت علينا الدكتورة أن نقرأ شرح كتاب حلية طالب العلم للشيخ ابن عثيمين، وبعد أن أنهيناه طلبت أن نقرأ كتاب شرح مسائل الجاهلية، وهنا بدأت شرارة المحبة للقراءة تنقدح!
وقبل إجازة الصيف حَضَرتُ لها درساً أوصتنا فيه بأن نقرأ قائمة مطولة من المجلدات في صيف 1427هـ ، ولكم أن تتخيلوا حجم الذهول الذي أصابني! ففتاة مثلي طارت فرحاً بقراءة كتاب! ما عسى كلمة مجلدات أن تسبب لها من إحباطات!
قلت لها: دكتورة كثير، ما أقدر!
فأوصتنا حينها بالدعاء وقيام الليل وحسن إدارة الوقت، وأخبرتنا أنها أثناء دراستها استخدمت نفس هذه الخطة، وانتهت من القراءة قبل نهاية الإجازة!
وخَتَمَت بمدى ثقتها بجديتنا وقدرتنا على الانتهاء من منهج طلب العلم في إجازة الصيف..
كنت في ذلك اليوم مجرد ضيفة في ذلك الدرس، لذا قررت أن أضع لنفسي خطة طموحة، لكن ليست بمستوى طموح طالبات العلم المتخصصات..
وفي نهاية الإجازة اتصلت بي رفيقة دراسة كتاب ” العلم ” لتسألني عن أخباري مع القراءة، فقلت: سبحان مغير الأحوال، بحمد الله وفضله، أتممت قراءة سبعة مجلدات بالإضافة لعدد من الكتب هذا الصيف!
لا تتصوروا إخوتي وأخواتي مدى السعادة التي غمرتني نتيجة هذا الإنجاز، فضلاً عن المتعة الغامرة التي أحسستها وأنا أتجول بين ثنايا كتاب التوحيد والشرح الممتع في تلك الفترة، الغريب في الأمر، أنني لطالما ظننت أن الإيمان يزيد من خلال دراسة التوحيد والرقائق، لكني واجهت أمراً عجيباً تلك الفترة، حيث أن التغير الذي خلّفه فيّ كتاب الشرح الممتع – وهو كتاب في الفقه – كان كبيراً بشكل لا يوصف، أدركت حينها معنى ” أن نعبد الله على بصيرة ” أمور كثيرة تغيرت، سواء من ناحية العبادة أو من ناحية التعامل مع الخلق! لا أعلم كيف حصل ذلك؟ لكن ما أنا متيقنة منه أن حسن العلاقة مع الله تورث العبد تواضعاً ومحبة لعباد الله وسعياً في مساعدتهم في أمور الدين والدنيا.
حينها بدأَتْ ثورة ثقافية متنامية، وتضاعف حجم مكتبتي ، وتنوعت موضوعاتها بين الكتب الشرعية والتربوية و التطويرية و العلمية، أصبحت مكتبتي – على بساطتها – مرجعاً جيداً للمحيطين بي!
وأصبحت القراءة مصدر بهجة وسعادة بالنسبة لي، أصبحت جزء من مشاريعي أياً كانت، أستغرب الآن من حالي السابق، وكيف أمكنني الاستغناء عنها! لكن العجب يزول عندما ألحظ الفرق بين مستوى الثقافة السابق والحالي، بين مستوى الوعي السابق والحالي، بين نوعية أحاديثي في السابق وحالياً!
لله در القراءة ، ما أجملها وما أجمل أثرها على صاحبها!

1 التعليقات:

غير معرف يقول... at 23 أبريل 2013 في 10:15 م

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إرسال تعليق